اللبنانيون العاملون في الخارج ممن يتفاعلون مع عائلاتهم وحاجاتها يمثلون نسبة 35 في المئة من مجمل الايدي العاملة في لبنان، أي ان عددهم يفوق الـ400 الف موزعين بين بلدان الخليج العربي، والعراق، والبلدان الافريقية ولاسيما منها بلدان غرب افريقيا واهمها نيجيريا، وساحل العاج، والكونغو، كما هنالك وجود لبناني ملحوظ في جنوب افريقيا، وثمة جالية ناشطة في منطقة تقع على الحدود المشتركة بين الارجنتين والبرازيل، حيث منطقة تجارة حرة استرعت انتباه السلطات الاميركية ورقابتها.

وتحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج عبر المصارف تبلغ ثمانية مليارات دولار سنوياً استنادا الى الاحصاءات الرسمية ولا شك في ان هذا المبلغ دون الواقع لان العديد من اللبنانيين في الخارج يفدون الى البلد حاملين مبالغ نقدية ملحوظة وهذه المبالغ عند انفاقها تساهم في تنشيط حركة الاقتصاد وزيادة حجم الدخل القومي. وفي تقديرنا ان هذه المدفوعات النقدية لعائلات المغتربين سعياً وراء العمل تبلغ لا اقل من ملياري دولار سنويا.

اذا افترضنا ان مضاعف الانفاق، من اموال غير مكتسبة في لبنان، يساوي اثنين، وهذا امر بالغ الاهمية، يتمثل التأثير لهذه التحويلات على حجم الدخل القومي بما يساوي 20 مليار دولار سنوياً. وحيث ان حجم موازنة الدولة، والتي يبلغ العجز فيها نسبة 30 في المئة من النفقات، يبلغ 14 مليار دولار، لا يمكن ان يكون حجم الدخل القومي موازياً لـ40 ملياراً، أي ما يساوي ثمانية مليارات دولار فقط اضافة الى تأثير التحويلات والموازنة. والارجح ان حجم الدخل القومي يساوي 50-52 مليار دولار أي ما يوازي تقريباً حجم الدين العام.

ان اوضاعنا هذه تعود في المقام الاول الى تنوع نشاطات اللبنانيين في الخارج في مختلف الحقول، سواء منها النشاطات التجارية، او في مجال الاتصالات، او المقاولات، او التعليم، او الصناعة، او الزراعة، او خدمات المعلوماتية الخ.

ان عرضنا لبعض المؤسسات الناجحة على صعيد اقليمي او دولي لا يمكن ان يغطي نجاحات اللبنانيين كاملة، كما اننا لا نريد اغفال نجاحات محققة، وآمل ان يكون التعداد المدرج مدعاة للشعور بالاعتزاز لا التمييز، وسوف نعرض للنجاحات بتفصيل قطاعي.

الخدمات المالية والتصنيفية

المصارف اللبنانية حققت انتشاراً ملحوظاً في السنوات الخمس الاخيرة سواء في منطقة الشرق الاوسط او افريقيا او اوروبا الغربية، وقد تجاوزت مصارف لبنانية المناطق المتعارف عليها لتملك مؤسسات مصرفية في بلدان زاهرة كأوستراليا، واخرى اقل ازدهاراً انما ذات مستقبل واعد مثل بيلاروسيا وارمينيا.

المصارف اللبنانية، بفروعها الخارجية التي تبلغ موجوداتها نسبة 30 في المئة من مجمل ميزانيات المصارف اللبنانية، أي نحو 35 مليار دولار، تحقق ارباحا على مستوى 600 مليون دولار وحجم اعمالها المفيد للبنان يتجاوز الارباح ويشمل اجور اللبنانيين العاملين فيها، وتعزيز صورة لبنان في هذا القطاع المهم عالمياً.

وإلى المصارف التجارية، هنالك شركات مهمة لادارة الاموال يديرها لبنانيون، والكثير من موظفيها لبنانيون، ومن اهمها شركة ناشطة في جنيف يديرها جيلبير جبر، وقد اعتبرت جريدة “الهيرالد تريبيون” معدل مردود هذه الشركة على موجوداتها الافضل عالمياً عام 2011. وشركة اخرى يديرها لبناني من عائلة شدرافيان في نيويورك تعتبر نتائجها بين الافضل. كما ان مروان مرشي، المهندس اللبناني والمتخصص في العلوم المالية يسير صندوقا للتحوط نجح في تفادي تأثيرات ازمة 2008 و2009 وموجوداته تفوق الملياري دولار.

فضلا عن هؤلاء الناشطين هنالك شركة لبنانية الملكية هي شركة MUREX تعمل في مجال تصنيف مخاطر العملات والدول ولها مكاتب في مختلف العواصم المالية العالمية، سواء في لندن، نيويورك، باريس، فرانكفورت، هونغ كونغ، شانغهاي، موسكو الخ. وهذه الشركة يبلغ عدد موظفيها الذين نسبة 80 في المئة منهم فنيون، أي مهندسو معلوماتية واحصاء واقتصاد، 2000 موظف، ودخلها السنوي ملياري يورو.

واكبر شركة تأمين خاصة في الشرق الاوسط هي شركة ميدغلف التي يساهم فيها لبنانيون ادارةً وملكاً وتنشط في المملكة العربية السعودية، البحرين، الاردن، لبنان، تركيا، مصر وتحوز شركة وساطة للتأمين في بريطانيا ويبلغ حجم اعمالها السنوي مليار دولار وتؤمن العمل لآلاف اللبنانيين.

خدمات الاتصالات

دخل اللبنانيون بقوة وجرأة هذا النشاط، وربما كان ذلك بسبب فتح مجال الاتصالات الخليوية في لبنان قبل أي بلد آخر في منطقة الشرق الاوسط، وقد اكتسب اللبنانيون خبرة مفيدة من التشارك مع شركات مثل فرانس تيليكوم، ونوكيا، وسيمنس، ومن ثم كانوا من رواد اطلاق خدمات الخليوي في مصر حيث كان للفريق اللبناني التقني دور اساسي في اعمال نجيب ساويرس الذي بات يسيطر على شركة اوراسكوم للاتصالات.

والشركات اللبنانية، ومساهمات اللبنانيين في شبكات الاتصالات في افريقيا، وتركيا، وجنوب آسيا ودول الخليج، تغطي حاجات اكثر من 50 مليون مشترك.

آلاف اللبنانيين يعملون في هذه الشركات وحجم اعمال شركات الخليوي التي للبنانيين فيها حصة تكفل ادارة الشركات المعنية، هائل لان اعداد المشتركين في خدمات هذه الشركات يفوق 60 مليون مشترك وحجم اعمال الشركات المعنية يراوح بين 15 و18 مليار دولار سنوياً.

مؤسسات التعليم الخاصة

هنالك مؤسستان للتعليم تعملان على نطاق اقليمي ودولي ويبلغ عدد التلامذة في المؤسستين المشار اليهما 55000 تلميذ في المؤسسة الاولى، منهم اميركيون، والمان، وبريطانيون، وعرب وفرنسيون الخ، والمؤسسة الثانية لديها 20000 طالب من جنسيات متنوعة ايضاً.

وقد باشرت كل من المؤسستين تأسيس جامعات في اربيل، ودبي، والتلامذة الجامعيون يفوق عددهم 10 آلاف.

ان الجهاز الاداري والتعليمي لهاتين المؤسستين يتجاوز 12000 استاذ واداري وغالبية هؤلاء من اللبنانيين، كما هنالك جامعة انشأها لبناني في دبي قبل اكثر من عشر سنين يبلغ عدد طلابها 10 آلاف، وعدد موظفيها، اداريين واساتذة، يفوق الالف.

شركات المقاولات

اللبنانيون كانوا رواد هذه المهنة الصعبة وقد ساهموا الى حد بعيد في انجاز اعمال الطرق، ومحطات توليد الكهرباء، والمدارس، والوزارات، والمطارات، والابنية الحديثة في الكويت، والعراق، والمملكة العربية السعودية، وامارة ابو ظبي، ودبي، والبحرين، وحتى باكستان وليبيا والكثير من البلدان الأفريقية وخصوصا نيجيريا، ساحل العاج، الغابون، سييراليون الخ.

اشهر مؤسسات المقاولات شركة “الكات” التي فتحت هذا المجال امام العديد من المهندسين الذين عملوا لدى الشركة منذ تأسيسها عام 1933، ومن بعد كانت شركة CCC وشركة المقاولات العربية ACC، وشركة المباني، وشركة ماك المتخصصة في المشاريع الميكانيكية والكهربائية، وشركة دار الهندسة كمال الشاعر وشركاه، وشركة دار الهندسة نزيه طالب وشركاه، وشركة خطيب وعلمي، وفي السنوات الاخيرة شركة ERGA.

في مجال المقاولات والاستشارات الهندسية حقق اللبنانيون نجاحات لا يمكن حصرها. فالشركات المشار اليها اعلاه نافسها وحقق نتائج قريبة منها او اكثر عدد من شركات المقاولات، ومنها شركة ميدماك في قطر، وشركة ماك في السعودية، وشركة آل الزاخم التي عملت في شرق آسيا وشرق افريقيا ولبنان، كما شركات حسن حجيج التي انطلقت في الغابون ووسعت اعمالها الى حد كبير.

جميع هذه الشركات وعدد كبير من الشركات الاخرى انضم اليها، بعد اطلاق مشروع اعادة اعمار وسط بيروت، انجزت في العالم العربي، وليبيا، ونيجيريا، وبريطانيا، وباكستان اعمالاً بلغت ارقامها السنوية في السنوات الخمس الاخيرة اكثر من اربعة مليارات دولار سنوياً، واليوم تنجز شركة تابعة لآل الشاغوري والياس سعد اكبر مشروع لردم البحر في نيجيريا على مساحة ثمانية ملايين متر مربع وبكلفة تتجاوز اربعة مليارات دولار.

الشركات التجارية

الشركات التجارية اللبنانية حققت نجاحاً كبيراً في منطقة الشرق الاوسط وافريقيا ونكتفي بذكر اربع او خمس منها حققت نجاحاً وتوسعاً ملحوظاً.

- عائلة شلهوب التي بدأت عملها في لبنان وانتقلت الى الكويت ومن ثم وسعت نطاق اعمالها الى السعودية، ومصر، ودبي، وابو ظبي، وجنوب افريقيا، والهند، شركة تسوق المنتجات الثمينة وتمثل بعض ابرز الماركات العالمية، وحجم اعمال هذه الشركة يبلغ 1800 مليون دولار سنوياً.

- شركة ابناء ضاهر للملبوسات والمفروشات والتي حصلت على تمثيل منتجات لبيوتات اسبانية صارت ذات شهرة عالمية، وسعت اعمالها في الخليج وبلدان اوروبا الشرقية بحيث بات حجم اعمالها يقارب ملياري دولار سنوياً.

- شركة ضاهر اخوان، وهؤلاء عائلة اخرى، اختصاصهم تسويق الآليات وهم يمثلون بعض اشهر انواع السيارات الفرنسية والكورية، واعمالهم تشمل بلداناً افريقية كما العراق واسواقاً في افريقيا، وحجم اعمالهم يفوق 2,5 مليار دولار سنوياً.

- شركة آل البساتنة لتسويق المنتجات النفطية وهم موجودون على نطاق عالمي وتبلغ مبيعاتهم السنوية نحو ستة مليارات دولار لمختلف المشتقات النفطية، وهم يعملون في جنوب شرق آسيا، مصر، العراق، دبي، لبنان وليبيا.

- شركات لبنانية عدة تعمل في حقل المأكولات والمشروبات غير الروحية، منها بن نجار، وشركة التنمية لانتاج الدجاج والزيتون، وشركة الرفاعي للمكسرات، وشركة كبابجي للمأكولات السريعة الخ، وشركة غندور لانتاج البسكوت والشوكولا في السعودية ودبي وماليزيا. ان مجموع اعمال هذه الشركات يفوق ثلاثة مليارات دولار سنوياً.

- أخيراً الشركات الصناعية، ومنها شركات لسحب قضبان الفولاذ، ومولدات الكهرباء، والسيراميك، ومنتجات التجميل، والادوية والألبسة والمفروشات، وهذه الشركات حاضرة في بلدان الخليج ولبنان وسوريا وتركيا ومصر والاردن وحجم اعمالها يفوق اربعة مليارات دولار سنوياً. ومن ابرز الشركات الصناعية شركة آل فرام للصناعات الورقية والكرتون والتي لديها مصانع في لبنان ومصر والسعودية وكندا والولايات المتحدة وحجم اعمالها يفوق ملياري دولار سنوياً.

ان حجم اعمال هذه الشركات مجتمعة يفوق 50 مليار دولار سنوياً واعداد موظفيها يفوق 120 الف موظف. وهي بارباحها، ومعاشات موظفيها، وما يتوافر لعدد كبير من هؤلاء من المنح التشجيعية، هي السبب الرئيسي لتوافر المليارات العشرة من التحويلات والتسليمات المالية سنوياً الى العائلات اللبنانية.

هذه الشركات تطلب، كي تركز منطلقات عملها في لبنان، توافر الكهرباء باسعار معقولة، كما تكاليف النقل، وتسهيلات تأسيس الشركات، والضرائب على الموظفين، والمعاملات القانونية، اضافة الى تكاليف الاتصالات. وجميع هذه المستوجبات غير متوافرة، على رغم ان نبض الاقتصاد اللبناني يرتهن باعمال تلك الشركات واقدام اصحابها ومديريها على الاعتماد على اللبنانيين في المقام الاول.

*ملخص محاضرة ألقيت بدعوة من المديرية العامة للمغتربين – وزارة الخارجية والمغتربين.

 

Leave a Reply