lebanese movies
بالرغم من الظروف السيئة التي مر بها لبنان خلال سنة 2007، إلا أن المؤشرات تدل على نشاط سينمائي متصاعد. جوائز ونجاحات جماهيرية ومداخيل لا يستهان بها. فقد نال «سكر بنات» أكثر من جائزة، وتوج «تحت القصف» أخيراً في مهرجان «دبي السينمائي»، وهناك أفلام تستعد للخروج حالياً إلى دور العرض، في بلد كان يحتفي بفيلم واحد في السنة، هذا لو تمكن أحدهم من الفوز بتمويل له. السينما اللبنانية اليوم، وعد مستقبلي في بلد يحتاج لكثير من الأمل.

على مدى ثلاث سنوات، أي منذ 2005، شهدت السينما اللبنانية نهضة في الانتاج، في عدد الأفلام على أقل تقدير. معدل أربعة أفلام في السنة، هو معدل ممتاز بالنسبة لسينما كانت تعتبر حتى أمد قريب خروج فيلم واحد، حدثاً يشهد له التاريخ. أهمية الانتاج السينمائي الحالي يأتي ضمن هذه النقطة بالذات، هذا يؤسس لعجلة انتاج ويشجع المنتجين بالاقدام على أفلام جديدة، ربما تكون أكثر جدية، وأكثر حرفية.

ستة أفلام خرجت إلى الصالات هذه السنة، ثلاثة في بدايات العام: «غنوجة بيا» للمخرج إيلي ف. حبيب، الآتي بناءً على المسلسل التلفزيوني الذي كان يحمل العنوان نفسه، و«المشهد الأخير» للمخرج غسان أسطفان، كلا الفيلمين مصور بتقنية الفيديو. ثم «سكر بنات» للمخرجة ندين لبكي القادمة من الفيديو كليب. وفي الشهر الأخير خرجت ثلاثة أفلام دفعة واحدة: «خلص» لشيخ السينمائيين اللبنانيين برهان علوية، صاحب السينما الشعرية الذي ناضل من أجل ظهور فيلمه على مدى عشر سنوات، وجديد المخرج فيليب عرقتنجي فيلمه المعنون «تحت القصف» في محاولة لاستعادة النجاح الجماهيري المنقطع النظير الذي حققه فيلمه الاول «البوسطة» سنة 2005. أما آخر إصدارات هذه السنة فهو الفيلم الكوميدي «أبو رياض» للمخرج اصر فقيه المأخوذ عن شخصية في برنامج تلفزيوني هو الآخر.

مع ستة أفلام في 2007، وأربعة في 2005 وأربعة في 2006، هل من الممكن أن نتكلم عن سينما لبنانية؟ هذا هو السؤال الأكثر إلحاحاً. السنوات القادمة تعدنا بعدد كبير من الأفلام الآتية، منها ما هو قيد الانجاز، منها ما أنجز وينتظر أن يخرج إلى الصالات. والأمر الذي يدعو إلى التفاؤل هو العائدات المالية الإيجابية التي تسجلها الأفلام اللبنانية المعروضة في الصالات. نعم، هناك سينما لبنانية طرية العود ناشئة بين الأشواك والوحول. سينما لبنانية تبني على ما أنجز في مجال العمل التلفزيوني، الإعلاني، الفيديو كليب، والأفلام القصيرة والوثائقية. ليس من باب الصدفة أن تأتي هذه السينما في مرحلة التحول السياسي والاجتماعي الكبيرين اللذين يشهدهما لبنان. بل ما هي إلا شاهد على هذه الرغبة في التغيير، الرغبة بانجاز وجود ما للسينمائيين اللبنانيين في العالم.

سينما سياحية

في هذا المكان لا بد من الإشارة إلى الكثير من العوامل التي أدت بالضرورة إلى هذه النهضة التي نشهدها. نبدأ من الظاهرة الأولى، أي فيلم «البوسطة» الذي اخرجه وأنتجه فيليب عرقتنجي في عام 2005، تحت راية العلم اللبناني وفي ظل الجو الوطني الذي شهدته تلك السنة، رافعاً شعار «فيلم لبناني 100%». هذه النقطة الاولى التي إذا ما ربطناها مع الإقبال الجماهيري الذي شهده الفيلم، يمكننا أن نرى المنطق الذي يحكم فيلم عرقتنجي الجديد «تحت القصف» الذي تم تصوير عدد كبير من مشاهده على حماوة القصف والدخان خلال حرب تموز 2006 الأخيرة. القصة بسيطة، هي رحلة إلى قلب الدمار، أم (تلعب دورها ندى أبو فرحات) تبحث عن ابنها الضائع داخل القرى المدمرة. تلتقي الأم المسلمة بسائق التاكسي المسيحي (يلعب دوره جورج خباز) الذي له عائلة كانت قد هربت بعد انتهاء الاحتلال إلى إسرائيل! يلعب عرقتنجي مرة أخرى على التناقض بين المسلم والمسيحي، بين العام في الحرب والخاص في البحث عن الابن الضائع، في الهامش بين المقاومة والعائلة الهاربة إلى إسرائيل. من جديد كما فعل في بوسطته، يفعل في سيارة الأجرة، يأخذنا عرقتنجي في رحلة سياحية لكن من نوع آخر هذه المرة: سياحة الدمار، أو سياحة الحرب. من الممكن أن نطلق على فيلمي عرقتنجي عنوان «السينما السياحية»، في محاولة لاستشفاف خطوط عامة في السينما اللبنانية. هذه السينما السياحية تقفز على الظروف السياسية لتوظفها في شكل سينمائي. البوسطة كانت «لبنانية 100%»، مخاطبةً للمشاعر الناضحة بالوطنية حينها، أما التاكسي الذي يحوي الأم المسلمة والسائق المسيحي، فهو بالضرورة «تحت القصف» وإلا لما كان ليستطيع استدرار العطف من الجمهور المتأثر بالحرب ودمارها.

سينما التلفزيون

إذا ما كان الخط الذي يقترفه فيليب عرقتنجي يمكننا من تسميته بالسينما السياحية، فإننا يمكننا بسهولة تمييز خط آخر من السينما، ألا وهي «سينما التلفزيون». يمكننا أن نرصد في هذا المكان ثلاثة أفلام: «غنوجة بيا» الذي يستتبع قصص ومغامرات الفتاة المدللة (تلعب دورها ريتا برصونا) التي ترفض حقيقة أن أباها قد فقد ثروته. محاولة لصياغة فيلم على طريقة صياغة المسلسل من خلال خط درامي خفيف، إلى حد ألا يرى، وحوله الكثير من النكات والأحداث التي تلعب على مفارقات شكلية كالفتاة الأنيقة الناعمة بكعبها العالي ترعى الماعز. أما الفيلم الثاني في هذا الخط فهو «المشهد الأخير». على الرغم من أنه لا يأتي عن مسلسل، إلا أنه يحمل كل مقومات الصفة التلفزيونية من القصة القليلة الدقة في وصف التفاصيل، مروراً بالتمثيل المتسرع والمدفوع أكثر من حاجة الشاشة الكبيرة، وصولاً إلى التقطيع والتصوير الذي ينتمي بالكامل إلى مدرسة التلفزيون بتقاليده المحكومة بإيصال المعنى التي تحتويه الصورة لا بأن تكون الصورة هي المعنى. اما الأخير في هذا الخط فهو فيلم «أبو رياض»، الذي ينقل برنامج «أبو رياض» التلفزيوني إلى الشاشة الفضية عبر مغامرة ما، يكتنفها الكثير من المقالب والنكات الخاصة بشخصية أبو رياض التي يلعبها عادل كرم. يحاول الفيلم أن يكون مضحكاً، تماماً كما يحاول المسلسل.

سينما شبابية

شهد لبنان على مدار السنوات العشر الأخيرة، نهضة كبيرة على صعيد إنتاج الفيديو كليب. وأصبح مخرجو هذه الفيديو كليبات نجوماً، يقارعون بنجوميتهم المغنين المصورة أغانيهم. من خلال هذه الصناعة التي استطاعت أن تصبح سوقاً حقيقية، تخرج العديد من العاملين في مجال السينما. إحدى هؤلاء النجوم، بل أكثرهم نجومية هي المخرجة نادين لبكي. وهي التي شاهدناها ممثلةً في بوسطة فيليب عرقتنجي، خرجت إلى الجمهور مخرجة وممثلة في فيلمها الروائي الأول «سكر بنات» الذي حصد عدداً من الجوائز في مهرجانات عالمية، كما حصد نجاحاً نقدياً وجماهيرياً واضحاً. «سكر بنات» لن يخذل، ولم يخذل متابعي نادين لبكي، إذ إن من تابعها في فيديو كليباتها سوف يتوقع بالضرورة فيلماً على طريقة «سكر بنات». فيلم نسائي خالص، يهتم بالصورة ونظافتها، يهتم بالطقس البصري وخفة المعالجة وعدم الاستثقال في طرح المواضيع. حكاية خمس سيدات في مجتمع شرقي، كلٌّ لها قصتها الخاصة. يطرح الفيلم المواضيع بسرعة وعدم إلحاح، مخافة أن يقع في محاذير غضب الجمهور، أو غضب النقاد. من الممكن أن نصنف الفيلم ضمن سياق سينما شبابية ما، تلمسنا أطرافها مع زياد الدويري في فيلميه «بيروت الغربية»، و«ليلى قالت هذا»، ثم جوزف فارس في «يلا، يلا» ثم «زوزو» وأخيراً مع ميشال كمون في فيلمه الروائي الأول «فلافل». يمكن اعتماد عبارة «سينما شبابية» كتوصيف لهذه السينما الناشئة التي تعنى بالتقنية الجيدة، والمواضيع الخفيفة في مكان ما لاستدراج جمهور واسع، وكسب رضا النقاد في الآن عينه. يبدو أنها قادرة فعلاً على فعل ذلك. لا نغفل في هذا المكان أن نشير إلى اعتماد هذه السينما على مراجع سينمائية أوروبية بالأغلب، الأمر الذي يضفي لمسة سحرية إلى المكان والزمان اللبنانيين، ويجعلهما يضربان في خيال المشاهد بطريقة فانتاسمية. يحاول هذا الخط أن يرسم طريقاً لسينما تجارية جيدة المستوى. وهذا ما يعول عليه لتشكيل عجلة إنتاج أكثر صلابة وقدرة.

سينما شعرية وسينما مثقفين

«خلص» هو عنوان فيلم المخرج والمفكر السينمائي «برهان علوية». الفيلم الذي كتب في سنة 1997، وصور سنة 2003 ها هو يخرج إلى الصالات سنة 2007. يكشف هذا المسار الطويل الذي قطعه فيلم برهان علوية الروائي الطويل الثالث عن عمق الأزمة الانتاجية التي عاناها لبنان خلال الفترة الماضية. كما يعبر عن أزمة هذا النوع من السينما الشعرية الذي يحيى على هامش السينما التجارية. أما وأنه لا وجود لسينما تجارية في لبنان (بمعنى أنه لا وجود لعجلة إنتاج تجارية قادرة على ضمان الربح)، فإن هذه الأفلام تعاني الأمرين لإيجاد تمويل. «خلص» الذي كان اسمه «الحرامي» ثم «من هنا مر الحب»، يتكلم عن العلاقات التي نشأت في زمن الحرب، ويتساءل كيف لها أن تستمر في زمن السلم. هو حكاية «الانتقال من مرحلة القناعات الكبرى إلى مرحلة الشكوك الكبرى» كما يعرف عنه علوية. يمكننا أن نرتب الفيلم في إطار «السينما الشعرية» التي تحاول أن ترسم، وتصور السينما كلغة قائمة بذاتها. السينما في هذا الخط هي معنى بذاتها تتعامل مع المجتمع باعتباره مكاناً وزماناً لوجودها. الكثير من الأفلام والمخرجين يدخلون ضمن هذا الخط السينمائي، يمكننا أن نستذكر منهم «غسان سلهب» صاحب الأفلام الروائية الثلاثة، والشاب «شادي زين الدين» بفيلمه الجديد «البارك».

على ضفاف الآمال بالسينما اللبنانية الناشئة، تنبت أفلام جديدة للسنة القادمة. سمير حبشي يعدنا بـ «دخان بلا نار»، شادي زين الدين بـ «البارك»، إيلي خليفة بـ «يا نوسو»، وأفلام ما زالت قيد الانتاج مثل «بحر النجوم» من إنتاج شركة بيبسي، وفيلم جديد للمخرج إيلي ف. حبيب. على أمل ألا تنقطع الأفلام، ننتظر ونأمل.

 

Leave a Reply